الرابطة الأولى

بين فوضى الحاضر وانضباط الماضي: قراءة نقدية في تنظيم الاعتراضات داخل الجامعة التونسية لكرة القدم

 لم يكن التوجه السابق في تنظيم الاعتراضات داخل الجامعة التونسية لكرة القدم مجرّد خيار إداري عابر، بل كان تجسيدا لرؤية قانونية واضحة تقوم على فرض الانضباط، حماية استقرار المسابقات، والحد من التعسف في استعمال الحق عبر إلغاء الطابع التكتيكي أو التعطيلي للاعتراضات. ففي عهد المكتب الجامعي السابق، كان التوجه صريحا نحو تقليص عدد الاعتراضات عبر منظومة إجرائية دقيقة، تمثلت أساسًا في: - تقليص الآجال بشكل تدريجي (من 14 يومًا إلى أسبوع، ثم إلى 4 أيام، وصولًا إلى 48 ساعة) - فرض إجراءات شكلية صارمة، على غرار التدوين الإجباري للاعتراض على ورقة المقابلة - إلزامية تأكيد الاعتراض في اليوم الموالي قبل منتصف النهار وقد أسهمت هذه الآليات، رغم صرامتها، في إرساء قدر هام من الانضباط، والحد من الاعتراضات غير الجدية، بما يعزز مبدأ الأمن القانوني ويضمن استقرار المنافسات. صحيح أن تلك الإجراءات اتسمت بالصرامة، لكنها كانت صرامة مبررة، هدفها وضع حدّ للفوضى وضمان جدية الطعون، بما يكرّس مبدأ الأمن القانوني داخل المسابقات. لقد كان الإطار واضحًا، والقواعد دقيقة، وهو ما منح المنافسات قدرا محترمًا من الاستقرار والمصداقية. غير أن ما نشهده اليوم يمثّل تراجعًا لافتا عن تلك المنهجية. فقد تم التخلي عن أغلب الآليات التنظيمية السابقة، وتعويضها بنظام أكثر مرونة يكتفي بفتح باب الاعتراضات في ظرف 48 ساعة دون ضوابط إجرائية حقيقية، وهو ما أدى عمليا إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الاعتراضات إرهاق الهياكل القضائية وفتح المجال أمام توظيف الاعتراضات لأغراض تكتيكية أو تعطيلية. إن الدفاع عن حق الأندية في التقاضي لا يمكن أن يكون مبررا لإلغاء كل أشكال الانضباط. فالحق، عندما يُترك دون تأطير، يفقد غايته ويتحول إلى عبء على المنظومة ككل. وما يحدث اليوم يؤكد أن التوسع غير المحسوب في قبول الاعتراضات قد فتح الباب أمام ممارسات تضر بنزاهة المنافسة أكثر مما تحميها. إن المقاربة الحالية، رغم ما تحمله من شعارات إيجابية، تفتقر إلى العمق القانوني وإلى آليات التعديل الضرورية، وهو ما يجعلها أقرب إلى تفكيك لمنظومة قائمة بدل تطويرها. وفي المقابل، يثبت التوجه السابق، رغم ما قيل عنه، أنه كان أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الحق في الطعن وضرورة استقرار المسابقات. وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس مواصلة هذا الانفلات، بل مراجعة جدية تعيد الاعتبار للصرامة القانونية، وتستعيد روح الانضباط التي كانت سائدة، مع تطويرها بما يضمن عدم المساس بحقوق الأندية. في نهاية المطاف، لا يمكن إدارة كرة القدم بمنطق التسيب، بل بمنظومة قانونية دقيقة تحمي الحقوق، وتضع حدا لكل أشكال الاستغلال والتلاعب.